ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

190

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فإذا حصل للباطن عمارة عاش القلب ، وماتت النفس ، ودقت الأسرار ، معان لا رد فيها ، وهمل الحيّ الميّت ونعمه ليهدى ، فيزيده رشدا وسعدا ، فيسجد ويعبد ويركع ويخضع ، فلا تضيع علاجا تنتفع به وتنفع ، ولا تطلب الأبجد ، واعمل بلا كلل ولا ملل ، فإن اللّه لا يمل حتى تملوا ، فعجبا للإنسان كيف دعاه مولاه الحنّان المنّان ، وخاطبه ، ونبهه ، وعرّفه مكائد عدوه ومصائب حاسده ومعانده ، وعرّفه بالنفس وهواها ، وعلّمه علاجها ودواها ، وبيّن له طريق السلامة من العطب وسلوك الطريق إليها وسبيل الإقبال ، وحثّه على طلب الراحة والنعيم والعذاب والجحيم ، وأنزل في محكم كتابه العزيز أن قل يا محمد : وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 79 ] وقد أخبر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم عن الحكيم العليم اللطيف الكريم الغفور الرحيم العلي العظيم القوي المجيد رب السماوات السبع وما فيهن ، وهو رب العرش العظيم : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) [ النّساء : 174 ] . فالدلالات والآيات المعجزات والبراهين الواضحات والخوارق للعادات والنور وهو الكتاب وهو الصواب ، فإن كلام اللّه قد بيّن كل مشكل ، وأجلى كل مبهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتفجرت من بنانه الأنهار ، ماء يجري حتى به العطشان يروى ، فيا من حقق الطلب لعل وعسى أن تكون من المقتفين المحبين الطالبين أولي الصدق والنجوى ، قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . فيا ولد قلبي ، جد تجد ، ولا تكن ممن خالف مولاه ، وطمع في البطالة أن تكون من الناجين ، إذا قمت في الحدس والليل إذا غسق ، والصبح إذا تنفس ، فتظفر بتحف الإفادة والحسنى وزيادة ، ذلك جزاء بما كنتم تعملون ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) [ البينة : 8 ] من طلب الآخرة مما فيها وعجائبها وغرائبها سلم من هول الفزع ، وأدخل جنات عدن ونهر ، قال اللّه تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] . . الآيات ، فرحم اللّه من أدان نفسه قبل أن يدان ، فإن الخطب جسيم والهول عظيم ، والأمر صعب والموقف شط ، والمناقشة والمحاسبة والعرض والقدوم على الصراط والميزان والحساب والعقاب والخلود ودخول الجنة أو النار ، وهذا كلام يظهر للعقول ، ومعنى يبهر لمن يقتدي ، ثم يهتدي بقلب خالي من تعلقات البشرية ، ومن علائق الأمور الدنيوية ، ولم يخطر فيه إلى الأمور الأخروية ، ثم إن النفس إذا كانت صافية صفية نقية بهية قد رفعت عناء حجبها ، ورأت معنى طلبها ،